أخبار وطنية في جزء ثان لمقال "ليس من قلب الذيب": المؤرخ عميرة عليّة الصغيّر يكتب: ليبيا قاعدة للدستوريين وللنشاط الوطني التونسي
بقلم الأستاذ عميرة عليّة الصغيّر
الجزء الثاني من مقال: ليس من "قلب الذيب"... الشعب الليبي في احتضان و دعم المقاومة التونسية (1952-1956)
ليست الغاية من هذه الورقة، كما أسلفنا، البحث في نشاط التونسيّين في طرابلس بل محاولة الكشف عن مظاهر دعم اللّيبيّين لكفاح التونسيين والمستقرين منهم بطرابلس بالذات. والمتتبع لتاريخ علاقات الوطنيين التونسيّين بالوطنيين في ليبيا يلحظ أن التواصل لم يبدأ في الخمسينات بل كان سابقا لذلك إن كان في القاهرة ضمن نشاط المغتربين وحول الجامعة العربية ومع رموز الكفاح الوطني اللّيبي من إدريس السّنوسي إلى الزعيم الوطني بشير السعداوي أو بعد ذلك وخاصة بداية من 1949 عندما اتّحدت الأحزاب اللّيبيّة في "المؤتمر الوطني العام [1]و طُرحت المسألة اللّيبية على أنظار الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة (21 نوفمبر 1949).
حيث سجلت وثائق الخارجية الفرنسية تحرّكات مختلفة للحزب الحرّ الدستوري الجديد لربط الصّلة مع "المؤتمر الوطني" وطرح برنامج للكفاح المشترك [2] وعبّر الدستوريون عن دعمهم للمطالب الوطنيّة في الاستقلال وتنديدهم بالمؤامرات التي تُحاك لتأبيد الاستعمار في ليبيا [3] كما ابتهج التّونسيّون بقرار 21 نوفمبر 1949 للأمم المتّحدة الذي يمنح ليبيا استقلالها وبعث الوطنيون برقيات تهنئة في ذلك للأمير إدريس السّنوسي وللزعيم البشير السعداوي واعتبر صالح بن يوسف الأمين العام للحزب الحرّ الدستوري الجديد في تجمع شعبي انتظم للغرض في 25 نوفمبر 1949 "إنّ استقلال ليبيا هو فاتحة لاستقلال تونس وكامل المغرب" [4] فالتواصل النضالي بين الوطنيّين في البلدين كان قائما و نجد صداه في الوثائق الأرشيفية وفي الصحف الصادرة في البلدين منذاك.
لذا كان نشاط التّونسيين في طرابلس يحظى بدعم السّلط اللّيبيّة والوطنييّن عامة حيث اتخذ علي الزلطيني ورفاقه مْراد بوخريص والآخرون من قرقارش (4 كلم غرب طرابس) مقرّا لتحركاتهم من فيلا قائمة هناك[5].
ومن شدّ الإزر ذاك يذكر تقرير للاستعلامات العسكرية أنّه في شهر أوت 1952 استقبل بذاك المركز علي الزلطيني ومراد بوخريص والطاهر عميرة كلا من محمّد الكريكشي (أحد رجالات حزب المؤتمر الوطني ومستشار الحكومة اللّيبية) ومحمّد الزقلعي (عضو المؤتمر الوطني كذلك والنائب في البرلمان) اللّذين عبّرا على تضامنهما مع اللاّجئين التونسيّين ومساندتهما لهم في كفاحهم حتى تحرير وطنهم[6] وزار مقر مكتب الحزب الدستوري كذلك في 19 نوفمبر 1953 وفد آخر من الوطنيّين وأعضاء المجلس النّيابي اللّيبي وجدّدوا جميعهم دعمهم الدائم لكفاح التونسيّين [7].
وكانت السلط الرّسميّة اللّيبيّة على ضعفها وهيمنة السلط الأمنية الأنجليزية، تتعامل ايجابيّا مع المغتربين التونسيّين فمنحت البعض منهم اللّجوء السياسي وجوازات سفر وتساهلت في تنقلاتهم أو اتصالات مسؤوليهم بالوافدين وتجنيدهم وإعدادهم للمقاومة المسلحة، كما سنعود إليه في عنصر قادم.
هذا علاوة على المساعدات التي يلقاها اللاّجئون من وجهاء طرابلس وتدخلاتهم لصالحهم في التشغيل (في مؤسسات خاصة وحتى في الإدارة) أو فضّ بعض النزاعات مع السلط الأمنية. وكان هذا الموقف الايجابي من الليّبيّين وشدّ أزر إخوانهم من المناضلين التونسيّين يلقى الامتعاض والاحتجاج من الوزير ممثل فرنسا بمفوضيّتها بطرابلس الذي لم يدّخر جهدًا للضغط على الحكومة اللّيبيّة لتضييق الخناق على الوطنيّين التونسيّين[8] .
كما كان لموقف الحكومة اللّيبية الدّاعم لجهد المقاومين من تونس والجزائر وخاصة في تسهيل مرور السلاح عبر الحدود نحو تونس والجزائر الأثر في تعقيد العلاقات مع فرنسا التي كانت ترفض الانسحاب من فزّان بتعلّة حماية ظهرها وأمنها في الجزائر ومستعمراتها الإفريقية [9].
إنّ الاعتراف بذاك التضامن من اللّيبيّين واحتضانهم لمضطهدي الاستعمار الفرنسي لم تحفظه ذاكرة المقاومين فحسب بل تمّ التعبير "لأهل الفضل" من أولئك اللاّجئين ذاتهم مباشرة إذ نظّم مكتب الحزب بطرابلس في أكتوبر 1955 بفندق "القراند اوتال" بمناسبة مغادرة آخر دفعة من اللاجئين نحو تونس حفل توديع واعتراف بالجميل حضره ممثلو المكتب وبعض اللاجئين ومن جانب الليبي وجهاء وطنيون تميزوا في جهدهم المادي والمعنوي في خدمة القضية التونسية وهم عبدالله عابد السنوسي (ممثل عن القصر الملكي) ومحمد الكريكشي والهادي إبراهيم المشيرقي والزقلعي من زعماء طرابلس الوطنيين [10] .
أما الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد صالح بن يوسف فقد بعث من تونس في 7 أكتوبر 1955 برقية شكر وامتنان لرئيس الوزراء الليبي السيد مصطفى بن حليم، هذه ترجمتها: "سعادة السيد مصطفى بن حليم رئيس وزراء مملكة ليبيا المتحدة.
" بمناسبة عودة رفاق الكفاح لديارهم بعد إقامة طويلة عند إخوانهم اللّيبييّن، اسمح لي أنّ أعبّر لكم باسمي وباسم الشعب التونسي عن عظيم امتناننا لذلك الجميل واعترافنا بفضل سمو الملك إدريس الأوّل الذي خفّف عنهم محنة الغربة وأحاطهم بعنايته. نتمنى من الله التّقدم والازدهار للشعب اللّيبي الشقيق" [11] أمّا الزعيم الحبيب بورقيبة فسوف يستضيف في الذكرى الأولى لإستقلال تونس في مارس 1957 بعض أولئك الأعلام اللّيبيّين ويمنحهم أوسمة الاستقلال [12].
لكن ليبيا لم تكن قاعدة للعمل السياسي وملجأ للوطنيّين فحسب بل كانت كذلك سنوات 1952-1956 قاعدة خلفيّة للمقاومة المسلحة التونسيّة.
يتبع الجزء الثالث:
* ليبيا قاعدة خلفية للمقاومة المسلحة التونسيّة
[1] - حول نشاط الوطنيّين الليبيين غداة الحرب العالمية الثانية انظر: فتحي ليسير، " الأحزاب الوطنيّة والحياة الحزبيّة في ليبيا غداة الحرب العالمية الثانية (1946-1949) في المجلّة التاريخية المغاربيّة عدد 128/2007،ص.9-66.
[2] - راجع مثلا مراسلة قنصل فرنسا بطرابلس مع المقيم العام بتونس بتاريخ 4 جوان 1949
. QO.595, Tunisie 1944 -1955, D1, Lettre de Chambard, consul de France à Tripoli à Jean Mons, f.193
[3] - تقرير المقيم العام الى روبار شومان بتاريخ 25 ماي 1949.
QO.596, Tunisie 1944-1945, V.31, D1 , Lettre de Jean Mons à R. Schuman du 25 mai 1949, f165..
[4] - تقرير المعتمد لدى الإقامة العامة لوزير الخارجية الفرنسية بتاريخ 29 نوفمبر 1949 .
[5] - حول هذا المقر ونشاطه وتفاصيل المبنى والإشراف وأسماء القائمين عليه و تحركاتهم انظر التقرير السابق الذكر: L’organisation néo-Destourienne en Libye الصادرة بمجلة روافد عدد6/2001.
[6] -. ن.م. ص37
[7] - تقرير الوزير رئيس المفوضيّة الفرنسيّة بطرابلس الى الخارجية الفرنسية بتاريخ 28 نوفمبر 1953.
QO.595, Tunisie 1944 -1955, V .317, f .246, Rapport de Jacques Dumarçay, Ministre de France en Libye, 28/11/1953
[8] - انظر مثلا تقرير المفوّض الفرنسي بطرابلس بتاريخ 16 سبتمبر 1954 والذي بسط فيه تدخله لدى الوزير الأوّل مصطفى بن حليم وكيف أن هذا الأخير وعده أن يدرس مشروع تحويل المهاجرين إلى معسكر مراقب قرب مصراطة على بعد 200 كلم شرق طرابلس.
QO.717,C 450-451, Rapport de Jacques Dumarçay, Tripoli 3 mai 1955,f.74-76
[9] - مصطفى أحمد بن حليم، صفحات مطويّة ...م م، ص.248.
[10] - شهادة حمادي غرس في لقاء شخصي معه في 9/2/2009.
[11] - برقية ضمن تقرير رئيس الممثلية الفرنسية بطرابلس بتاريخ 8 أكتوبر 1955 مرسل للخارجية الفرنسية
QO.717,C450-451, Rapport de Jacques Dumarçay du 8 octobre 1955,f.204.
[12] - كتب الهادي إبراهيم المشيرقي (1908-2008) في كتابه، " قصتي مع ثورة مليون شهيد" يقول: " وقد دعاني الحبيب بورقيبة لحضور أول عيد لاستقلال تونس وذلك في شهر مارس 1957، دعوة خاصة مستقلة عن الوفد اللّيبي الرسمي واستقبلت استقبالا حارّا (...) ومما قلته للخواص ان الحبيب يقصد من وراء دعوته لي أن أترك جانب المعارضة التي يرأسها صالح بن يوسف (...)، م م،ص.205.